تيك توك… العالم الذي يربّي أبناءنا قبل أن نفعل!!

لا يمكن إنكار أنّ السوشيال ميديا أصبحت اليوم جزءً أساسيًا من حياتنا. منصّات تظهر، وأفكار تنتشر، وسلوكيات جديدة تتشكّل بسرعة لم نتخيّلها قبل سنوات قليلة. وسط هذا التحوّل، لمع تيك توك كمنصة غيّرت طريقة استهلاكنا للمحتوى. أُطلق عالميًا عام 2016، لكن انتشاره الحقيقي بدأ عندما أصبح المحتوى القصير هو اللغة الجديدة للعالم، ومع الوقت تحوّل إلى مساحة تجمع ملايين الأشخاص يوميًا.

ومع هذا الانتشار، لم يعد تيك توك مجرد تطبيق آخر، بل فرصة لصنع الشهرة والوصول إلى الجمهور خلال ثوانٍ، فيمكن لأي شخص يملك فكرة بسيطة، هاتف أو كاميرا، وجرأة الظهور أن يصل إلى الترند. الاستمرارية هنا هي العنصر السحري الذي يحرك الخوارزميات ويخلق التفاعل.

ورغم الجدل حوله، لا يمكن تجاهل الجانب الإيجابي الذي يقدمه تيك توك. اليوم نتعلّم وصفات، تمارين، نصائح حياتية، وأفكارًا جديدة خلال دقيقة واحدة. المنصة أصبحت مساحة للمعرفة السريعة، ولمن يرغب في استكشاف تجارب جديدة أو توسيع مداركه بطريقة بسيطة ومباشرة.

لكن في الوقت نفسه، يبرز جانب مقلق يزداد مع الوقت، خصوصًا بالنسبة للمراهقين. المحتوى السريع قد يشتّت الانتباه ويجعلهم يقضون ساعات طويلة دون وعي. الترندات والتحديات قد تحمل مخاطر نفسية أو اجتماعية أو حتى جسدية، والمراهق في هذه المرحلة يسعى لإثبات نفسه والانتماء، وعندما يرى تحديًا يجتاح المنصة، قد يشعر أنّ المشاركة ضرورة، لا خيارًا، حتى لو لم يدرك العواقب.

ومع توسع تأثير تيك توك، تغيّرت طريقة تفاعلنا مع العالم: أصبحنا نبحث عن المحتوى المختصر، الفكرة الجاهزة، والمعلومة السريعة، وهذا التحوّل لم يمرّ دون أثر؛ فهو يغيّر أسلوب تفكيرنا، مستوى تركيزنا، وحتى قراراتنا اليومية. ومع امتلاك الأطفال للهواتف قبل دخولهم مرحلة المراهقة، يصبح السؤال أكبر من مجرد استخدام تطبيق: هل نملك نحن الكبار القدرة على التحكم في هذا العالم الرقمي، أم أصبح هو من يتحكم بنا؟

في النهاية، تيك توك ليس جيدًا بالكامل ولا سيئًا بالكامل، هو فضاء واسع يشبه مدينة ضخمة فيها أماكن مفيدة وأخرى تحتاج للحذر. النتيجة دائمًا تعتمد على طريقة الاستخدام ومدى وعينا بما نقدّمه ونستهلكه. وبين الإيجابيات والسلبيات، يبقى التحدّي الحقيقي هو إيجاد التوازن.

وهنا أصل إلى إحساس شخصي يرافقني دائمًا. كأم، أشعر بالخوف من تأثير هذا العالم السريع على أولادي وعلى الجيل القادم. أخاف أن تذوب القيم التي نبنيها في البيت: التربية، القواعد، الثقافة، والتوجيه أمام تحدٍّ واحد على تيك توك. ليس الخوف من التطبيق نفسه، بل من قوته وسرعة انتشاره وكيف أصبح أقوى من كثير من المؤثرات التي كانت تحيط بنا من قبل.

وهذا يفتح سؤالًا مهمًا للمجتمع كلّه: كيف نُحضّر أبناءنا لعالم تقوده الترندات؟ وكيف نحميهم دون أن نمنعهم من التعلم، المشاركة، أو التطور؟

More Insights​.

Let’s chat and create something great together!